الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

194

نفحات القرآن

جمع الآيات وتفسيرها العدالة لا تتحقق بدون القيامة : قال تعالى في الآية الأولى بعد أن أشار إلى ثواب المتقين العظيم في سورة القلم : « افَنَجْعَلُ الْمُسْلِميْنَ كَالُمجْرِمِيْنَ » . فهل من الصحيح المساواة بين هذين الفريقين ؟ وهل تقتضيى العدالة ذلك ؟ ثم أضاف وقال : « مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ » . لا يمكن للعاقل القبول بأنّ عاقبة المسلم والمجرم ، والمطيع والعاصي ، والعادل والظالم تكون واحدة ، أو أن ينسب هذا الأمر إلى اللَّه الذي راعى الدقة والعدالة في جميع افعاله . وهناك احتمالان للمفسّرين في تفسير هذه الآية : الاحتمال الأول : إنّ هذه الآية تشير إلى مسألة المعاد ، لأننا نرى المسلم والمجرم متساويين غالباً في هذه الدنيا ، بل قد يحصل المجرم على امتيازات لا مشروعة في هذه الدنيا أكثر ممّا يحصل عليه المسلم ، إذن يجب أن يتفوق « المسلم » على « المجرم » في الآخرة ، لأنّها من مقتضيات العدالة . الاحتمال الثاني : إنّ هذه الآية أتت جواباً لقوم مشركين كانوا يقولون : لو كانت هناك قيامة فإنّنا سوف نتمتع بظروف حسنة كما نحن عليه في هذه الدنيا كما يقال : ( السَنَة الجيدة تعرف من ربيعِها ) فأجابهم القرآن : هل من الممكن أن يساوي اللَّه العادل بين المسلمين والمجرمين ؟ ولا يوجد هناك منافاة بين هذين التفسيرين على الظاهر ، بل يمكن حمل مفهوم الآية كلا المعنيين ، وتبقى هناك ملاحظة وهي أن‌ّهذه الآية الشريفة تثبت حكم العقل بالحسن والقبح والإدراكات العقلية الأخرى بقطع النظر عن تأييد الشرع لذلك ، ( فتأمل ) . والملفت للنظر أنّ الفخر الرازي في بداية حديثه عدّ هذه الآية من أدلة ما نقل عن مذاهب أهل السنّة أنّه يجوز للَّه‌أن يُدخل العاصين الجنّة وأن يُدخل المطيعين النار ، « الحسن والقبح العقليين » قال : ويقبح بحكم العقل طبقاً للآية ولكن بما أنّ الرازي من